موفق الدين بن عثمان

33

مرشد الزوار إلى قبور الأبرار ( الدرر المنظم في زيارة الجبل المقطم )

تصوفه وكراماته : لقد تدرج الكمال - رحمه اللّه - في درج الكمال إلى أن صار عالما مفننا ، وعلّامة متقنا ، درّس ، وأفتى ، وأفاد ، وعكف الناس عليه ، واشتهر أمره ، وعظم ذكره ، ولكنه عزل نفسه بعد أن خلع طيلسانه ورمى به قائلا : اشهدوا علىّ أنني عزلت نفسي من هذه المشيخة « الشيخونية » وخلعتها كما خلعت طيلسانى هذا . وتحوّل في الحال لبيت في باب القرافة ، وبلغ ذلك السلطان فشقّ عليه وراسله يستعطف خاطره مع أمير آخور جقمق - الذي صار سلطانا - وغيره من الأعيان ، فلم يجب ، وآثر العزلة وحب الانفراد - مع المداومة على الأمر بالمعروف ، وإغاثة الملهوفين ، والإغلاظ على الملوك فمن دونهم « 1 » . وكان لابن الهمام نصيب وافر ممّا لأرباب الأحوال من الكشف والكرامات - وكان تجرّد أولا بالكلية ، فقال له أهل الطريق : ارجع ، فإن للناس حاجة بعلمك - وكان يأتيه الوارد كما يأتي الصوفية ، لكنه يقلع عنه بسرعة لأجل مخالطته بالناس ، أخبر بعض الصوفية من أصحابه قال : إنه كان عنده في بيته الذي بمصر ، فأتاه الوارد ، فقام مسرعا ، قال الحاكي : وأخذ بيدي يجرني وهو يعدو في مشيه وأنا أجرى معه ، إلى أن وقف على « المراكب » فقال : مالكم واقفون هاهنا ؟ ! فقالوا : أوقفنا الريح ، وما هو باختيارنا . فقال : هو الذي يسيّركم ، وهو الذي يوقفكم . قالوا : نعم . قال الحاكي : وأقلع عنه الوارد ، فقال : لعلّى شققت عليك ! ! قال : فقلت : أي واللّه ، وانقطع قلبي من الجرى . فقال : لا تأخذ علىّ فإني لم أشعر بشئ مما فعلته « 2 » . ومما يعدّ من قبيل الكرامات أنه زار قبر أحمد بن عطاء اللّه السكندرى ،

--> ( 1 ) انظر : الضوء اللامع - المجلد الرابع ، ص 130 . ( 2 ) انظر : شذرات الذهب ج 7 ص 298 و 299 .